الكلب المحترم

كتبهاعادل بشر ، في 13 مايو 2008 الساعة: 09:31 ص

صانع التغيير - مقالات

 
 

 

 

بقلم د.فضل مراد

 

نص الفقهاء أن من معه كلب محترم (وهو غير العقور) يكاد يموت جوعاً ومع هذا الرجل شاة واحدة وجب عليه أن يذبحها لكلبه إنقاذاً لحياته لأنه لا يأكل ما يأكله صاحبه، لا لشيء إلا لأن الكلب «حيوان» له حق في العيش والبقاء، لأن الكلب يحرس الزرع والماشية والبيت، إنه يتعلم الصيد ويبذل النصح وأقل حالات الكلب المحترم: أنه لا يؤذي أحداً ولا يعقر ماشياً ولا يخيف الدرب، أما غير المحترم فهو الكلب العقور الذي ينهش هذا، ويتربص بماشية هذا، يعقر المارة، ويتلف المال.

إن الشريعة آمرة بإطعام الحيوان المحترم والحفاظ على حياته في حالة نفعه للمجتمع، وفي حالة كف أذاه وكف نفعه للمجتمع.
إن إنقاذ حياة كلب غريب من العطش كان سبباً في دخول الجنة لامرأة زانية بغي، كما في الصحيحين، إنها شريعة السلام العام، السلام الكوني لا العالمي فقط، إنها شريعة الإصلاح الكلي، والإحسان العمومي والخصوصي. إن الإحسان أعلى مراتب الإيمان، لأنها مرتبة الرقابة الواحدة لواحد فقط «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». في باب التيمم نص العلماء على أنه لو كان معك ماء يمكن أن تحتاجه للوضوء به فوجدت كلباً محترماً يكاد يموت من العطش ووجدت إنساناً غير محترم كحربي أو قاطع طريق أو قاطع الصلاة بعد إنذار الإمام وجب عليك أن تعطي الماء الكلب المحترم وتمنعه من الإنسان غير المحترم وتتيمم والعلة، أن الإنسان الحربي وهو من شهر سيف الحرب بغير حق، وهو في اصطلاح الفقهاء المقاتل للمسلمين، فهذا ضرره ظاهر، وأما قاطع الطريق فهو مفسد في الأرض لا يجوز أن يعان على المعصية والإفساد بإعطائه الماء، وقد تعطيه وتنقذ حياته فيقتلك، وأما قاطع الصلاة بعد إنذاره فإنه بلغ من جحوده لربه وعدم اعترافه بحقه أنه لا يؤدي أبسط حقوق الله وهي الصلاة مع أنها الفرقان.

إن شريعةً تمنع إعطاء شربة ماء منقذة لقاطع طريق ونحوه، تمنع بتاً وقطعاً إعطاء صوت في الانتخابات لمفسد، لأن مفاسده أكبر، وهذا قياس أولوي مجمع عليه عند العلماء، إنها تمنع أن يتعاون مع فاسد الذمة بتسهيلٍ لولايته، بل وتمنعك أن تزوجه ابنتك، بل وتمنعك أن تكون حليلاً له، لأنه جليس سوء، بل وتمنعك أن تجاوره في دار المقامة وهو جار السوء المستعاذ منه في نصوص كثيرة، وكذلك تحرم الشريعة مشاركته تجارياً لعدم تحرزه عن محارم الله لأن أكثر ماله من الحرام.
إنه حصار على الفساد والمفسدين.

- إن هذا الدين محارب للإفساد طالب للمصالح، لقد بلغ إحسانه إلى كل ما تحله الحياة إلى كل حيوان محترم، وهو أبلغ في الإحسان إلى الإنسان، من أول أبواب الشريعة إلى آخرها إن مشروعية بناء المسجد وصلاة الجماعة من مقاصدها العظيمة التعارف الاجتماعي المؤدي إلى التعاون الاجتماعي، أن تعرف الفقير والبائس والمهموم، أن تسأل عنه وأنتما في روح وريحان في بيت من بيوت الله.

لقد جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة فقعد الرجل ولم يصل تحية المسجد فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم لصلاة التحية، قال فقهاء الحنفية معللين ذلك: إنما أمره -مع أنها سنة- ليراه الناس في ثيابه الرثة فيبادر إخوانه للأخذ بيده وإعانته، وكان يعلق القنو من التمر في المسجد ونحوه يأكل منه المساكين، وهكذا الصيام.. فيه مقصد الشعور بأهل الحاجة والفاقة والإحسان إليهم.. ولماذا شرعت الزكاة؟ وشرعت الذبائح في الحج؟ ومنع الاحتكار في البيوع؟ ومنع استغلال الفقير بالربا؟ إن هذا كله دعوة إلى الإحسان والتكافل الاجتماعي، لقد شرعت الشركات بأنواعها والمضاربات التجارية لتشغيل اليد العاطلة، لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم مُلاّك العقار إما أن يزرعوا أو يعطوا من الزرع كما في التجارية، ودعا إلى إحياء الموات: وهي الأرض غير المملوكة وملَّكَها من أحياها، وشرع المهور والنفقات على الأقارب، والأرحام صغاراً وكباراً إن كانوا فقراء وكان الرجل مستطيعاً للنفقة عليهم، وشرع القرض بلا ربا، بل يجب لمحتاجٍ لا يجد عشيرة ولم يجد من يقرضه ولو برهن على ذلك فهو آثم، إن كان واجداً للمال.

وفرض في كفارات الأيمان والنذور الإطعام من الوسط لعشرة من المساكين أو كسوتهم، حتى إذا لم يجد فليصم ثلاثة أيام، لقد فرض على من قتل خطأً الدية لكن على عاقلته أي عصبته من النسب في ثلاث سنوات، حتى لا يترك الغارم هدفاً للتسول.
إن من لم يجد ما ينفق على نفسه وعلى عياله قد شرع له الإسلام عدة نسقات تؤمن له ذلك: النسق الأول: إعانته على العمل والاستثمار، فإن لم فالنسق الثاني: وجوب نفقته على الغني من أقاربه، فإن لم فالنسق الثالث: وجوب نفقته على إخوانه المسلمين بدءاً بالجار، فإن لم فالنسق الرابع: وجوب نفقته على ولي الأمر من بيت المال، وتقدم في بيت المال أصحاب الاحتياج الأول ثم الذي يليه ولهم الأولوية في التوظيف، هكذا سنها الإسلام، لقد أخرج الإمام البخاري القانون المنظم في تقديم أصحاب الأولوية في الوظيفة والاحتياج، وضعه عمر رضي الله عنه.. كتب لهني (اليمن وزير المالية) البنود التالية:
1- يا هني أدخل رب الصريمة والغنيمة (القليل من الإبل والغنم).
2- وإياي ونعم ابن عوف وابن عفان فإنهما إذا هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع.
3- ورب الصريمة ورب الغنيمة إذا هلكت ماشيتهما جاءني ببنيه على بابي يقول أي عمر أطعم بني.
4- أفتاركهم أنا لا أبا لك؟!
5- إن الماء والكلأ، أيسر علي من الذهب والورق.
هذا الأمر الراشد بإدخال إبل وغنم المحتاجين لترعى في المحميات العامة ومنع إبل وغنم الأغنياء ونص عليهم بالاسم حتى لا يكون هناك تأويل للقرار، نعم.. إنها نصوص على أشخاص أثرياء بالاسم ألا يزاحموا المحتاجين في الوظائف العامة، أما أن نجد هؤلاء في كل دائرة ويشملهم كل عفو من حقوق ضريبية ولو بحيلة أو فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وغيرها من المميزات، ويقدموا في منح العلاج وفي المنح الدراسية وغير ذلك، فهذا ما نهى عنه عمر في قانون الدولة، وسنة الخلفاء الراشدين شريعة مأمورون نحن بالعمل بها، وسواها الأهواء والضلالات والاختلالات.
لقد علل هذا القانون بأن الأغنياء أمثال بن عوف وبن عفان لهم موارد بديلة، في حالة هلاك ثروتهم الحيوانية رجعوا إلى الثروة الزراعية بخلاف المحتاج إنه لن يجد بديلاً إلا أن يأخذ بنيه إلى باب عمر أو باب وزاراته مطالباً الخليفة أن يكفل ويؤمن لهم المعيشة ولا بد أن الفقير لا يجد إلا ذلك ولا تجد الدولة إلا أن تعطيهم الكفاية المالية من الذهب والفضة.
ثم ختم عمر هذا القانون التشريعي بنص اقتصادي عظيم تحل به مشاكل الدولة مبيناً فيه أن توفير بدائل زراعية (الماء والكلأ) مجانية مدعومة من بيت المال.. أهون من راتب شهري يكفل به الشعب المحتاج لأن البديل الزراعي يؤدي إلى كفالة دائمة، وتوفير فرص عمل، واستثمار الأرض وتشغيل العاطلين حتى لا يصبحوا عالة على كفالة الدولة المسماة الراتب أو الحالة الاجتماعية.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر