أسئلة متفجرة *
كتبهاعادل بشر ، في 29 سبتمبر 2008 الساعة: 11:21 ص
صانع التغيير - وكالات
من المفارقات الصارخة أن تصير أمريكا وجهة الباحثين عن الحياة الدنيا, وكذا طريق الراغبين بلوغ الجنة, ففي أي بقعة من الجحيم تقع اليمن؟ في أي مكان من البرزخ نحن؟ لأمريكا العزاء كونها صارت تساوي الجنة للجهادي المتلهف للرحيل وللمجهد المتطلع للخلاص مع فارق في المشروعية بين ذاهب لأمريكا بفيزا وذاهب عبرها إلى الجنة بسيارة مفخخة وأحزمة ناسفة.
هما غايتان متعاكستان وجهاهما الموت والحياة “ولكل وجهة هو موليها” هذا مستبق للحياة هربا من الموت وذاك مستبق إلى الموت طمعا في حياة أخرى بيقين مفخخ بالأضاليل والأوهام المتفجرة.
لو كان بوسعنا الخلاص من الشر في الوجود بعملية انتحارية وعربة متفجرات لكان الشيطان قد انتحر من تلقاء نفسه, لانسداد أبواب العمل دونه ولثقل إحساسه بالعطالة والتبطل وانعدام الجدوى, ما الذي يفعله هؤلاء إذن؟ غير إضافة المزيد من المآثم والشرور, إنهم ينتحرون ويعملون في الحياة قتلا وتفجيرا وتدميرا وسفكا لدماء وإزهاقا للأرواح والمبادئ والقيم.
من أين يجئ هذا الشبق العارم للموت؟ من أين يجئ هذا الاندفاع وهذا الجنون؟ وهذا العمى الكلي المطبق على العقل والقلب وعلى البصر والبصيرة؟
من لم يعرف طريقة إلى الحياة لن يعرف طريقه إلى الجنة, والشهادة مشروع حياة, ليست موتا لذات الموت, هي شهادة ارتبط اسمها بالمعنى الحي الذي تنتصر له, ارتبطت بعالم الشهادة, بالحضور الشاهد وحياة الشهود, لا علاقة للشهادة بهذا الرعب المتخلق في الظلام, وهذا الموت الهاجم على رؤوس الأشهاد.
القاعدة مشروعُ مقاتل انسل من رحم الحرب, وترعرع في المنافي, كما تترعرع الطرائد, مستوحشا بعيداً عن الحياة في خلايا تحتية تعيش تحت الأرض, تعمل وتفكر تحت الأرض, وتنتمي لعوالم تحتانية, نسيها عالم ما فوق الأرض لهذا تجعل التذكير بها انفجارا.
اليأس والعزلة, وفقدان التواصل أسباب كفيلة بتنامي أكثر الأفكار توحشا وسوداوية, وفي ما مر به عالمنا العربي والإسلامي منذ تفجيرات الـ11 من سبتمبر المشئومة وما ترتب عنها من اجتياح أفغانستان , وصولا إلى احتلال العراق في إطار الحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب, توافرت وتضافرت عوامل كثيرة في تغذية هذا المد التحتاني الناقم, والذي أكسبته جرائر الحرب الأمريكية شيئا من مشروعية المجابهة.
الشراكة مع أمريكا في ملف الإرهاب أدخلت الأنظمة العربية دوامة شائكة فقدت معها امتياز الشريك.
القول بشراكة عربية أمريكية في مكافحة الإرهاب، تعبير أحفظ للقدر يبدي تحرجاً من الاعتراف بأداء دور الأداة، دور المخبر المتعقب والعنصر الأمني الملاحق، دور جندي الحراسة، ثمة فرق بين الأمرين، الشراكة التزام يقتضي توزّع المسئولية والدور، وتستوجب أحياناً تنازلاً ما من طرف لآخر.
وما هو ثابت أن هذا الملف ظل محكوماً بإملاءات طرف قاهر بعينه وهو ما صعّب المهمة أكثر، على أمريكا اليوم أن تقف إزاء مسئولياتها تجاه تفاقم هذه الظاهرة، كما على الأنظمة العربية أن تعيد النظر في حقيقة الدور المناط بها تجاه ذاتها أولاً قبل أن يكون تجاه أمريكا ومهددات أمنها بصفة عامة.
في بلادنا المتتبع لمسار التعامل الحكومي مع القاعدة يلحظ اعتماد ذات التعامل التحتاني الذي تتبعه القاعدة، فرضت مقتضيات الدور الأداتي اختزال هذا الملف في بُعْد أمني محض، وتم التعامل معه على هذا الأساس، وما تتحدث عنه السلطة من حوارات معقلنة كابحة لهذا الخطاب المتفجر لم تكن في حقيقة الأمر سوى إجراء أمني صرف، حوار تحتاني أيضاً جرى بسرية داخل أقبية وزنازين لا تسمح بتولد قناعات حرة أو تكوين آراء إرادية مسئولة.
القضية أصعب من أن يحسمها القاضي حمود الهتار أو الأمن السياسي، وبعيداً عن التمحك غير اللائق ثمة أسئلة دامية تناثرها مجزرة الأربعاء في فضائنا الذاهل حول هذا الملف المفتوح على كل المقلقات.
حين تعلق مصادر عليا على كون هذا التفجير يأتي رداً على إجراءات الحكومة ضد هذه الجماعات من المهم أن نسأل عن مدى نجاعة تلك الإجراءات؟ إلى أي مدى أسهمت وتسهم في الحد من هذا التوحش؟ هل من حق المجتمع أن يفتش في تفاصيل هذا التعامل المواجه؟ وأن يتأكد من سلامة الإجراءات، أنها لا تفضي إلى يأس أكبر؟ هل من حقنا أن نسأل عن مدى الالتزام بالدستور والقانون فيما يتعلق بهذا الملف؟ لماذا يأتي القلق من مواطن الأمن، لماذا يستوعب الموت كل يوم أشياعاً وأجناداً جدداً ممن فقدوا يقينهم بجدوى الحياة؟
ثمة بيئة تحرض على اشتداد هذا العنف، بيئة قاحلة جافة فقيرة محكومة بالفوضى والعبث، بيئة خانقة تحرض على الجنون.
نخشى من أن نوغل في قتل ذواتنا وتدمير حياتنا، نخشى أن نفقد حكمتنا الباقية، نخاف أن نموت قبل أن نرى الحياة.
أسئلة متفجرة * لـ جمال أنعم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























