هدهد سليمان عليه السلام وعلم الإدارة
كتبهاعادل بشر ، في 5 أغسطس 2009 الساعة: 13:20 م
|
هدهد سليمان يضرب به المثل في الإيجابية
|
||
|
بقلم: د. محمد المحمدي الماضي
|
||
|
لا شك أن القصص القرآني الذي تناثر بين دفتي المصحف الشريف،قد تضمَّن في طياته دروسًا عظيمةً في الإدارة، سواءٌ ما كان منها على لسان إنسان أومنطق حيوان، ويحتاج هذا الجانب منا إلى وقفة، بل وقفات لنستخلص منها دروسًا وعبرًايمكن أن تكون بمثابة نظريات وقوانين مرشدة وملهمة في مجالات الإدارة المختلفة،خاصةً أن تناولها في القرآن يجعلها بمثابة العمل التطبيقي التجريبي الذي يوفر لهارصيدًا قد لا يتوفر لغيرها من التجربة والواقعية والمصداقية.
ومن بين هذه القصص التي أرجو من الله أن يمكنني من تناولها،ويفتح لي أبوابَ الفهم والرحمة والفقه فيها؛ قصة سيدنا سليمان، عليه وعلى نبيناأفضل الصلوات والتسليم، والتي لها ظلال وانعكاسات متعددة الجوانب في مجالاتالإدارة، والتي سوف نبدأ معًا أولى خطواتها مع الهدهد.. فهيا لالتماس الدروس والعبرالإدارية:
الدرس الأول: يقظةقائد
ويتجلى هذا الدرس الأول في أول ما يطالعنا من موقف سليمان عليهالسلام حينما يروي القرآن على لسانه﴿مَا لِي لا أَرَىالْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ﴾(النمل: من الآية 20)، وذلك بعدأن تفقَّد الطير وتفحَّص عمَّن فيه، كما ذكر القرآن﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾(النمل: من الآية 20)، وهذا يدلُّ علىأن القائد لا بد أن يكون يقظًا ومنتبهًا لمن معه، من التفقد والتعرف عليهم وعلىأحوالهم والإحساس بهم والشعور بمن يغيب أو يحضر منهم؛ خاصةً أولئك الذين يلونهمباشرةً.
الدرس الثاني: العقاب المتدرِّج على قدرالخطأ
لا شك أن قضية الثواب والعقاب لها في الإدارة مجال ودوركبير، ويمارسها المديرون بمذاهب شتَّى؛ فمنهم من يرفع سيف العقاب والردع والتخويفعلى طول الخط، ومنهم من يغمده على طول الخط، وحار الناس بين هذا وذاك، ولكننا نرىفي هذه القصة كيف أن سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم قد أخذ بمبدأالعقاب ابتداءً؛ باعتباره حافزًا سلبيًّا، ولكننا نراه قد تضمَّن أعلى درجاتالموضوعية والعدل والحكمة، ويبدو ذلك في الآتي:
1- أنه لم يترك الأمر فوضى، ليفعل كل فرد ما يحلو له دونحساب أو مساءلة وعقاب.
2- أنه لم يبدأ في إعلان العقاب المنتظر إلا بعد أن تأكدفعلاً من غياب الهدهد، وأنه ليس مجرد اختفاء مؤقت عن مستوى رؤيته؛ حيث سأل عن ذلكبوضوح: ﴿مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْالْغَائِبِينَ﴾فلما تبين له أنه فعلاً غائب أعلن عن العقاب المنتظر له فيمثل هذه الأحوال.
3- تراوح العقاب المعلن والمنتظر بين درجات ثلاث: أشدُّهاوأقصاها ذبحه، وأقلها تعذيبه عذابًا شديدًا، ولا ينجيه من أحدهما إلا أن يكون لديهحجة بينة واضحة ويقينية وغير ملفَّقة أو مدبَّرة.
4- ويحمل ذلك في طياته ضرورة ألا يطغى الانفعال على العقلولا الغضب على العدل، فكثيرًا ما نجد أحدنا حينما يتعرض لمثل هذا الموقف يتوعَّدبالويل والثبور وعظائم الأمور فقط، دون مراعاة لما قد تكون عليه ظروف الطرف الآخر،وما قد يكون من أعذار.
5- كما يشير ذلك التدرج إلى ضرورة أن يكون العقاب على قدرالخطأ؛ فإن كان هناك تمرُّد مثلاً فليكن الذبح، وإن كان مجرد غياب وناتج من تكاسلغير مقصود أو سبب غير مقبول فليكن التعذيب الشديد، ولا شك أن ذلك سوف يختلف باختلافدرجة التعمُّد والقصد ومدى تكرار الفعل الموجب للعقاب.
6- أن ما سبق يحتاج ولا بد إلى نوع من التحقيق والمحاكمة،وإعلان الادعاء، وسماع الدفاع، وإعطاء الفرصة كاملة لكليهما وبشكل عادل ومحايد؛للوصول إلى البينة التي توضح حقائق الأمور، وإلا فكيف يمكن التوصل إلى قرار باختيارالعقاب المناسب أو قبول العذر؟! سواءٌ كانت هذه المحاكمة بواسطة القائد نفسه، أو قدتسند إلى فرد آخر مختص، أو لجنة مختصة (لجنة تأديب).
8- أن ذلك يؤكد نقطة أخرى مهمة، وهي ضرورة وجود ما يسمىبلائحة الجزاءات، تمامًا كما يجب أن يكون هناك نظام كامل وواضح للحوافز، وأن هذهاللائحة يجب أن تكون واضحةً ومعلنةً ومفهومةً لدى كل من يعمل في المنظمة.
9- الفصل التام بين الشخص والخطأ، والتزام الموضوعية التامةفي ذلك، والتعامل معه على أنه بريء إلى أن تثبت إدانته، وإعطاؤه فرصة تامة لإبداءحججه والدفاع عن نفسه وتوضيح موقفه.. وهذا ما يظهر من موقف الهدهد حين قال لسليمانعليه السلام بعد أن اقترب منه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾(النمل: من الآية 22)، ولا يمكن أن يجرؤ على مثل هذا القول،ولا يقف مثل هذا الموقف شديد القرب من القائد﴿فَمَكَثَ غَيْرَبَعِيدٍ﴾(النمل: من الآية 22)، إلا إذا كان لا يزال يعامَل معاملة البريء،وينظر إليه من منطلق الفصل بين الشخص والمشكلة التي يمكن أن تنشأ عنه.
ولعل هذه النقطة من أشد نقاط الإدارة والتربية عمومًاحساسيةً وتعرضًا للانتهاك؛ حيث إننا نرى أن الغالب هو أن يخلط الناس بين الأمرين،فإذا أخطأ أحد أخذنا منه موقفًا، وأعلنا أنه كذا.. وكذا.. "إنك مقصر ومخطئ"،والمفروض أن نقول بدلاً من ذلك إن الفعل الذي أتيت به كذا… وكذا…. (هذا الفعلخطأ ولا ينبغي…)، ولعل ما يؤكد أهمية الالتزام بذلك؛ التوجيه الرباني الذي ورد فيالقرآن لإرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَلِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّيبَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)﴾ (الشعراء).. ولم يقل إني بريء منكم، وهذامبدأ من المبادئ العظيمة في الإدارة والتربية والتعامل مع الناس عمومًا، وهو مبدأالفصل بين الشخص والمشكلة أو الخطأ.
الدرس الثالث: فن صياغة التقارير والإلقاءوالعرض
لقد أكد الهدهد أن ما لديه من مبررات يقينية ومؤكدة ولاتحتمل التأليف أو الظن أو التخمين أو الافتراض، ولكنها تقوم على الحقائق المجردة،ولا شك أن لنا وقفة جاء أوانها الآن لنتعلم من الهدهد أحد فنون الإدارة والاتصالات،فيما أصبح يُعرف الآن بفن "صياغة التقارير"، والإلقاء والعرض؛ عسانا أن نجد فيها منالدروس ما ينفعنا.
وبداية فإن التقرير- سواء كان شفهيًّا أو مكتوبًا- ما هو إلاوعاء يحتوي معلومات يقدم إلى مستوى إداري أعلى للمساعدة على اتخاذ قراراته على بينةورشد.
والتقرير الجيد له مواصفات عديدة؛ أهمها أجزاؤه المتماسكةوالمتكاملة والموجزة والكافية، كلماته الواضحة، والمعبرة، والبعد عن الغموض، أوالتخمين، أو الإيجاز المخلّ، أو التطويل المملّ… إلخ.
وأهم أجزاء التقرير: مقدمة مشوقة، وصلب الموضوع، ثم خاتمةوتوصيات في النهاية.. فماذا عن تقرير الهدهد، وأين هو من كل هذه المواصفات؟!! تعالوا ننظر ونتأمل معًا.
1- المقدمة:
لقد تضمن تقرير الهدهد كافة عناصر التقرير الجيد، وأولهاوجود مقدمة مشوقة ومعبرة عن الموضوع الذي سوف يتناوله، وذلك حينما قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍيَقِينٍ﴾ (النمل: من الآية 22)، فالتشويق الكامل يأتي من قوله ﴿أَحَطتُبِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فهي تثير في المستمع كل قوى الاستعداد والتحدي لسماع ماسوف يأتي بعد ذلك؛ ما هذا الشيء الذي يعرفه الهدهد وأحاط به ولا يعرفه سليمان؟!!! رغم إمكاناته والقوى المسخرة لخدمته؟؟
ليس التشويق فحسب؛ بل إن هذه المقدمة رغم إيجازها الشديد قدتضمنت أيضًا صفةً أخرى مهمةً من أهم صفات المقدمة الجيدة، وهي إعطاء المستمع أوالقارئ فكرةً عن طبيعة الموضوع، وذلك حينما قال: ﴿وَجِئْتُكَمِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾فالموضوع يتعلق بسبأ، وما هي سبأ؟ وعليه أنينتظر بلهفة وشوق للاستماع والتعرف، ثم إنه قد أبان عن منهجه في هذا التقرير وهل هوقائم على مجرد التكهن، والتخمين، والسماع أم قائم على التبيُّن واليقين والتحققالعلمي الموثق؟ وذلك حينما قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.. فما الذي يمكن أن ينقص هذه المقدمة بعد ذلك رغم هذا الإيجاز الشديد؟!
2- صلب الموضوع:
ثم أخذ الهدهد في سرد عناصر التقرير التي تمثل صلب الموضوعالأساس، وهو هنا يحاول إعطاء صورة كاملة، وشاملة، وصافية، وغير منقوصة، كما رأىفيما يتعلق بقوم سبأ هؤلاء، ويمكن لنا أن نتبين أن هذا الطلب قد تضمن عناصر عدة؛أهمها:
أ- نظام الحكم.
ب- القدرة الاقتصادية.
ت- النظام الاجتماعي ووضع المرأة فيه.
ث- النظام الحضاري والصناعي ومدى تقدمه.
ج- العقيدة الدينية ومدى رسوخها في نفوسهم.
﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةًتَمْلِكُهُمْ﴾(النمل: من الآية 23) نظام الحكم، ووضع المرأةالاجتماعي.
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾(النمل: من الآية 23) القدرة الاقتصادية.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(النمل: من الآية 23) الوضع الحضاري والصناعي والمهاري.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَايَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (النمل: من الآية 24) الوضع الديني والعقدي.. عبادة الشمس.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُأَعْمَالَهُمْ﴾ (النمل: من الآية 24)… مدى رسوخ ذلك في نفوسهم.
﴿فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِفَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (النمل: من الآية 24).. صعوبة تغييرهموتحويلهم عن هذا الوضع إلا بخطة محكمة ومدروسة تستغرق وقتًا وجهدًا.
3- التوصيات:
لم يقف الهدهد عند مجرد النقل والسرد؛ بل إننا نلاحظ تدخلرؤيته وتقييمه للأمور وحكمته، والتي وصلت مداها بتوصية لسليمان يوجهه فيها لطبيعةالقرار الذي يجب اتخاذه في مثل هذا الموقف وهذا يوضح أعلى الدرجات الإيجابيةوالمسئولية والمشاركة من مقدم التقرير إلى قائده، وذلك حينما يختم تقريره بقوله: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِيالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُلا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾ (النمل).
وهنا يتوقف سليمان ونتوقف نحن أمام هذا المستوى الراقي منجندي مبادر لا يكتفي بمجرد تأديته الأوامر، ولكن ومن منطلق فهمه وإيمانه برسالةالمنظمة التي يعمل تحت لوائها، ينطلق ويؤدي ويبدع ويتفانى في إتقان دوره بما ينعكسبأعلى درجات الكفاءة والفعالية على تحقيق وإنجاز هذه الرسالة.
الدرس الرابع: لا تبنِ قراراتك إلا علىحقائق
واستكمالاً للدروس.. فماذا كنت ستفعل لو كنت مكان سيدناسليمان عليه السلام؟ ولماذا تجهد نفسك؟ فالإجابة موجودة وموثقة في القرآن العظيم﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ (27)﴾ (النمل)، وهذا درس عظيم آخر في الإدارة لا يمكن للقائد أن يبنيقرارًا- خاصة إذا كان من هذا النوع الإستراتيجي- إلا عن بينة وحقائق لا تحتمل أيلبس أو تخمين، فكثيرًا ما نرى الخلط بين أمور ثلاثة لدى الكثير من المديرين، بل منالناس عمومًا وهذه الثلاثة هي: الحقائق.. والافتراضات.. والأحكام أوالقرارات.
فإن ما قاله الهدهد لا يزال بالنسبة إلى سليمان مجرد افتراضقد يحتمل الصواب أو الخطأ، ومن ثم لا يجب أن يبني عليه حكمًا أو قرارًا إلا بعدتحويله إلى حقيقة، وهذا يحتاج إلى تبين وتأكد ودراسة واختبار لصحة الافتراض منعدمه.
ويجب البعد في ذلك عن العواطف والانفعالات والنواحي الشخصية،وهذا بالضبط ما فعله سليمان عليه السلام مع الهدهد؛ حيث قال: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾أي سوفنتأكد أو نتبين مدى صحة ما تدعيه، وحينئذٍ يتم اتخاذ القرار المناسب، ليس فقط بشأنالهدهد وعقابه أو ثوابه، وإنما بشأن القرار الأهم وهو المتعلق بقوم سبأ هؤلاءومايجب اتخاذه حيالهم، وهو قرارٌ إستراتيجيٌّ مهمٌّ يتطلب وضع خطة على أعلى مستوىلتحويلهم.
الدرس الخامس: اصطياد عصفورين بحجرواحد
لم يكد سيدنا سليمان عليه السلام يسمع من الهدهد حججه التيلم يسقها فقط كي ينقذ نفسه من عقاب سليمان عليه السلام الذي توعَّده به، وإنماليوصل له معنى معينًا أراد توصيله له، وهذا المعنى هو أن هناك قومًا ليسوا علىرسالته ولا يؤمنون بما يؤمن به، وعليه أن يأخذ بأيديهم ليصبحوا على نفسرسالته.
لم يكد سليمان عليه السلام يسمع ذلك حتى بدأ في العمل دونإضاعة للوقت؛ حيث انصبَّ تفكيره على أمرين:
الأول: التأكد مما ساقه الهدهد من معلومات، وهل هي فعلاًبمثابة حقائق غير قابلة للجدل أو النقاش أو الاختلاف!
الثاني: البدء فورًا في رسم خطة عمل على أساس علمي ومدروس؛ليسوق لهؤلاء القوم فكرته وليبيع لهم بضاعته وليأخذ بأيديهم في نهاية المطاف إلىالدخول معه في دين الله الذي يؤمن به ويعمل له ويعيش من أجله.
والعجيب أن القائد الفذ سليمان عليه السلام اهتدى لوسيلةتخدم في الغرضين معًا، وهي أن يرسل الهدهد نفسه برسالة يحملها إلى ملكتهم ويرقب منبعيد ماذا يفعلون ويرجعون.. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْكُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)﴾ (النمل).
فكأنه عليه السلام إنما أراد أن يتيقن من صدق الهدهد أوكذبه، من خلال هذا الكتاب "الرسالة" وفي نفس الوقت يتعرف على ردود أفعالهم تجاههاوطريقة تفكيرهم وأسلوبهم، ويمهد في نفس الوقت لعملية التغيير التي بدأ التخطيط لها،وذلك بإحداثه نوعًا من لفت الانتباه الشديد لهم إلى شيء آخر يجهلونه أقوى منهم،وأقدر عليهم، فهو يصل إلى ما لا يمكن أن يصل إليه أحد بسهولة، وهو مخدع الملكةنفسها.
ويخلق لديهم اضطرابًا وخلخلةً تعتبر بمثابة تمهيد مهمّللغاية في إذابة الجمود الشديد الذي سيطر عليهم فيما يتعلق بأمر عقيدتهم الفاسدةالمسيطرة عليهم كما سبق وأوضح الهدهد في تقريره.
الدرس السادس: رسالةنموذج
وبالفعل حمل الهدهد الرسالة، وأدى مهمته على خير وجه وبإتقانشديد، دون أن يلحظه أحد، أو يعترض طريقه، فما تلك الرسالة إذن، وما هو محتواها؟ وماهو تأثيرها؟ قال تعالى على لسان بلقيس ملكتهم: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْسُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُواعَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ (النمل).
وكما توقفنا سابقًا أمام أعظم تقرير صاغه الهدهد، فإننا أحرىبنا أن نقف الآن أمام أعظم نموذج لرسالة صاغها سليمان عليه السلام كما أوردهاالقرآن الكريم على لسانه، فالرسائل لها أصول في كتابتها وأجزاء يجب أن تراعيها،وترتيب لهذه الأجزاء، وهدف يمثل صلب الموضوع يجب أن توصله، وكل ذلك يجب أن يتحقق معغاية الإيجاز الذي لا يخلُّ بالمعنى المراد.. ﴿إِنَّهُ مِنْسُلَيْمَانَ﴾.. هكذا كان افتتاح الرسالة أو أعلاها، وهو هنا يحدِّد أمرًااستقر عليه المختصون في أمر الكتابة الإدارية فيما يتعلق بالمراسلات والمكاتبات،وهو ضرورة أن يكون هناك جزءٌ أعلى يحدد فيه:
- ممن الرسالة.
- ولمن.
- والموضوع.
ثم يذكر المطلوب الأساس بعد ذلك، وهو ما تضمنته هذاالإيجاز.
- فالرسالة من سليمان، بصرف النظر عن مدى علمهم من هو سليمانهذا أو عدم علمهم، وما هي يا تُرى قوَّته؟ وماذا يكون عليه ملكه؟
- أما لمن؟ فإنه ليس بالضرورة يجب كتابته؛ حيث ثم إلقاءالكتاب في يد من يراد له قراءته مباشرةً تقريبًا، ومن ثم ليس في الأمر غموض أو لبْسلمن توجه إليه، إنما التركيز هو ممن أتت.
- طبيعة الموضوع بإيجاز: ﴿وَإِنَّهُبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾هذا ما يمثِّل تقدمة عن طبيعةالموضوع الذي تحمله الرسالة، ولعل هذه الجملة- رغم إيجازها- تحقق الكثير منالأغراض، وهي:
- أولاً: توضح طبيعة الموضوع الذي تتناولهالرسالة.
- ثانيًا: تمثل خطوةً أولى في خلخلة الوضع النفسيلهم.
- ثالثًا: تمثل وضعًا مثيرًا أو يدعو إلى التفكير والبحثوالدراسة عمَّن هو هذا الذي يتحدث سليمان باسمه؟ والذي قال عنه: "الله، الرحمن،الرحيم"، فمن هو؟ وما قوته؟ وأين هو مما نعبد نحن؟ وأيهما حق؟ وأيهما باطل؟ وأيهماأقوى؟.. إلخ من ذلك الأسئلة.
صلب الموضوع:
﴿أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّوَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ (النمل).. هذا هو نهاية الرسالة وكلما يتعلق بها تم إيجازه بهذا الشكل المركز جدًّا دون إحالة أو إضاعة للوقت في القيلوالقال، والمقدمات.
الأول: النهي
﴿أَلاَّ تَعْلُواعَلَيَّ﴾أي عليهم أن يلزموا حدودهم ولا يتعدوا قدرهم، ويعودوا إلىصوابهم ويلزموا عقلهم ورشدهم، ويُنزلوا الآخرين "سليمان عليه السلام" قدره، ويعطونهمكانته التي تعلوهم، ويعرفوا قوته التي لا طاقة لهم بها والتي يستمدها أصلاً من قوةالله الرحمن الرحيم.
الثاني: الأمر
﴿وَأْتُونِيمُسْلِمِينَ﴾فبناءً على ما سبق ليس لكم إلا أن تأتوا إليَّمذعنين، مسلمين، دون قيد أو شرط، أو تأخير، وكما هو واضح فإن الرسالة- رغم شدةإيجازها- تضمنت من الحزم والحسم في كلماتها القليلة ما يجعلها تحقق الهدف الذي صيغتمن أجله، وهو ذلك المتعلق بالتأثير في نفسية الملكة ومن معها.
وهذا ظهر بشكل واضح وجلي في الحوار الذي دار بعد ذلك بينالملكة وقومها كما أوضحه القرآن في سياق القصة كما جاء في سورة النمل، ولكننا نقفعند هذا الحد الذي عمق تلك الرسالة النموذج؛ ليس فقط في صياغتها من حيث الشكل،وإنما أيضًا في مضمونها وأهدافها ومعانيها؛ حيث حقق سليمان عليه السلام بذلك ما كانيرمي إليه كقائد فذٍّ صاحب رؤية ورسالة، وذي يقظة وعدالة، فظهر له صدق الهدهد ودقةما ساقه من بيانات، وأنها تمثل حقائق لا أوهامًا أو تخمينات.
كما أنه وفي نفس الوقت قد تمكن من تنفيذ أول خطوة من خطواتإدارة تغيير هؤلاء القوم لتحويلهم مما هم عليه من الضلال إلى الهدى، وليضع توصيةالهدهد التي ذكرها في نهاية تقريره موضع التطبيق، حينما قال له﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِيالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُلا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾ (النمل).
ولن ندرك معنى هذه الخطوة ولا مدى تأثيرها في إدارة عمليةالتغيير عمومًا والتي قام بها سليمان عليه السلام خصوصًا؛ إلا إذا وقفنا وقفةً أووقفاتٍ خاصةً أمام موضوع التغيير والنماذج أو السنن التي تحكمه، وهو ما سوف نحاولالتعرض له بإذن الله تعالى في مقالات تالية.
لكن ما نريد أن نختم به تلك الدروس العظيمة عن الهدهد في هذهالمقالة هو أن ما سبق أن قدمه الهدهد من معلومات تمثل حقائق يقينية في تقريره وماأوصى به من توصيات لقائده وما قام وساهم به من عمل وجهد في ضوء توظيف سليمان عليهالسلام لطاقاته؛ قد ترتب عليه صياغة خطة دقيقة ومحكمة لإدارة عملية تغيير مخططةومتعمَّدة؛ انتهت إلى النجاح الكامل في تحويل هؤلاء القوم بقيادة ملكتهم من عبادةالشمس إلى عبادة الله الواحد القهار، وأسلموا مع سليمان لله رب العالمين، دوناستخدام أي نوع من أنواع القهر والإجبار أو القتال، فأي درجة من التناغم والتفاهميمكن أن تحدث بين قائد وجنوده لتحقيق رسالتهم وأهدافهم بكفاءة وفعالية أعلى منذلك؟!
————–
* أستاذ إدارة الإستراتيجية كلية التجارةبجامعة القاهرة-
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | السمات:علم الإدارة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 5th, 2009 at 5 أغسطس 2009 1:44 م
جزاك الله خيراً