من تاريخ الحركة الإسلامية في أمريكا

كتبهاعادل بشر ، في 30 أبريل 2008 الساعة: 06:37 ص

صانع التغيير - مقالات

د.سيد دسوقي

في منتصف التسعينيات اتصل بي شاب مصري يعيش في واشنطن دون سابق معرفة، يطلب مقابلتي ومعه رجل أمريكي يزعم أنه مساعد لمخرج فيلم عن الشهيد "مالكم إكس" الزعيم الأفروأمريكي الشهير، وأثناء اللقاء طلب مساعد المخرج مني أن أحدثه عن الدور الذي قمت به في تحول "مالكم إكس" إلى الإسلام وتركه عقائد جماعة "أليجا محمد".

ويومها شرحت له أنني لم ألتقِ بـ"مالكم"، ولكني كنت ومجموعة من الأصدقاء العرب المسلمين من طلاب العالم العربي قد رأينا ضرورة الاتصال بهذا الرجل لتأثيره الشديد في مجتمع المسلمين الأفارقة، ولمحاولة تصحيح صورة الإسلام في ذهنه بعيدا عن الصورة العنصرية التي استقرت في عقولهم، فمثلا كنا نقرأ جريدتهم فنجد أفكارا عنصرية مثل: (الله أسود والشيطان أبيض).

لم يكن الطريق سهلا إلى هذا الرجل، حيث كانت مساجدهم مغلقة على السود، والحل كان في يد صديقنا السوداني الدكتور أحمد صديق عثمان الذي كان قد تعرف على أخت مالكم وبدأ يتردد على مسجدهم في بوسطن، وهو ذو بشرة سمراء فرأينا أن يعرض على مالكم فكرة الحج إلى بيت الله الحرام، واتصلنا بالدكتور سعيد رمضان، وكان يرأس المركز الإسلامي بجنيف، وطلبنا منه أن يساعدنا في هذا الأمر.

ذهب مالكم إكس أو مالك شباز -كما كان يسمي نفسه- إلى الحج، وعاد من الحج ليكتب مقالا رائعا في "لايف مجازين" يتحدث فيه عن التحول القلبي والنفسي والعقلي الذي حدث له، وأنه الآن يحب أكثر البيض بياضا وأشد الزرق عيونا، وبدأ رحلة جديدة للدعوة إلى الإسلام بعيدا عن أفكار "أمة الإسلام".

كان مساعد المخرج يسجل الحديث، وعندما انتهيت من سرد القصة قلت له لو زرتني في الغد فسوف تلقى صديقا قادما من عمان هو شيخنا د.محمد صقر رئيس الجامعة الإسلامية بغزة، وكان يصدر من بوسطن أول مجلة إسلامية في أمريكا اسمها "المنار".

وبالفعل في اليوم التالي حضر مساعد المخرج، وجاء الدكتور صقر ومعه د.سلطان أبو علي، وكلاهما كان يدرس الاقتصاد في جامعة هارفرد (تخرج صقر عام 64) (وتخرج سلطان عام 65).

حكى د.صقر للرجل نفس الحكاية بحذافيرها، وهنا كانت المفاجأة حيث سألنا الرجل: هل قمتم بهذا العمل بناء على أوامر صدرت لكم من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين؛ وهنا ضحكنا واستغربنا السؤال، وتيقنا أن الرجل ليس مساعد مخرج، وإنما هو موظف في جهة ما ترصد التاريخ لأهداف تبتغيها.

أما السبب في الضحك فكان مصدره أن حركة الإخوان في هذه الفترة كانت مسجونة ومقهورة في معظم أنحاء العالم العربي، ولم يكن هناك تنظيم قطري فضلا عن تنظيم دولي، وكنا جميعا أفرادا مسلمين، قد يكون بعضنا انتمى لحركات هنا أو هناك، ولكن لم تكن هناك حبال سرية تربط الناس بقيادات مركزية أو سفارات دول تصدر لهم الأوامر.

تحدث صقر فقال للرجل هل أحكي لك قصة تعرفي بالدكتور سيد: "في يوم من أيام الصيف (صيف 1961) أخبرتني جارة أمريكية أنها قابلت رجلا وامرأة عند محطة القطار في وسط بوسطن، والمرأة تضع فوق رأسها غطاء رأس، قلت لزميلي سلطان أبو علي: هيا بنا نذهب لنلتقي بهذا الأخ، وجادلني سلطان بعبثية هذا الأمر، ولكنني أصررت، وذهبنا إلى محطة القطار وبالطبع لم نلتقِ بأحد، فذهبنا إلى أقرب بيت للمحطة وطرقنا الباب فخرجت سيدة أمريكية فقلت لها نريد أن نلتقي بالطالب العربي الذي يسكن هنا، فقالت: المصري؟ قلت نعم، الأستاذ حسن (وهذا هو الاسم الذي اشتهرت به هناك) قلت نعم، قالت إنه في المستشفى، فذهبنا إلى المستشفى وتعرفنا على الأخ سيد".

كان الرجل الأمريكي مشدوها وهو يسمع هذه القصة العجيبة ومستغربا أحداثها، ولكن هذا اللقاء بيني وبين صقر كان نقطة البدء في عمل إسلامي وعربي منظم، وبشرني صقر بأن الدكتور سعيد رمضان يصدر مجلة "المسلمون" من جنيف، ومعها سلسلة من الرسائل الحضارية حول الإسلام باللغة العربية والإنجليزية، وأول عمل قمنا به هو تنظيم الاشتراكات في مجلة "المسلمون" بين الطلبة العرب، وخلال حرب اليمن وجدنا في ذلك انحيازا للتوجه السعودي فأوقفنا اشتراكنا فيها، وطلبت من الدكتور سعيد ألا يرسلها لنا، وقد كان يرسل الأعداد كلها على عنواني، وأقوم أنا بتوزيعها في الولايات الأمريكية.

وقد كنت أريد أن أخلص بالعمل الإسلامي بعيدا عن تقلبات الشرق الملتهب، فمساحة العمل التربوي واسعة في أمريكا، وهناك آلاف المسلمين يتوافدون على الولايات المتحدة ويحتاجون هم وأبناؤهم من يقوم على تربيتهم، وهناك أيضا ملايين الأفارقة الأمريكان الذين ينظرون إلى الإسلام كمنقذ لهم مما يشعرون به من تعصب وإهمال.

وظل موقفي هذا ثابتا حتى تركت أمريكا عام 1970، وكنت أعلم أن المعارك في بلادنا العربية مصممة في دوائر الاستخبارات العالمية، وخلال حقبة الستينيات كانت الولايات المتحدة زعيمة هذه التصميمات؛ ولذلك فالدخول في مثل هذه المعارك المباشرة أمر محكوم عليه بالفشل، والعاقل من فَرَّ من هذه المعارك إلى حلبات صغيرة بعيدا عن الأعين المتربصة والأيدي الباطشة، وذلك ليس جبنا وإنما هو إيثار للعمل الهادف الذي لا تدركه أبصار أصحاب الدنيا الجبارين، وذلك على منهج أصحاب الكهف والرقيم الذين قالوا: (فَأْوُوا إلى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا).

في جامعة ستانفرد 

 مالكوم إكس

كان الطلبة العرب والمسلمون في حدود الثلاثين طالبا، نصفهم من العرب، وأنشأنا فرعا لجمعية الطلبة العرب، وكانت هذه جمعية قطرية، واتخذنا لها رئيسا كرديا، فالعربية عندنا ليست عنصرًا، وإنما اللسان، ولم تكن في أوائل الستينيات جمعية قُطرية إسلامية، ورغم ذلك كان هناك في ستانفرد جمعية إسلامية، وكذلك في معظم الجامعات، وكان نشاطها أكبر بكثير من الجمعية العربية الفرعية، فبجانب صلاة الجمعة هناك اجتماع يوم الأحد بالمساء للدراسات القرآنية، ومن العجيب أن كل الطلبة العرب مسلمهم ومسيحيهم كانوا يشاركون في نشاط الجمعية الإسلامية ما عدا صلاة الجمعة، حيث ينتظرون قريبا من المكان، وما إن تنتهي الصلاة حتى ينضموا إلى إخوانهم في ساعة الغداء، وفي كل الحفلات الإسلامية كان الإخوة المسيحيون يشاركون في الإعداد لهذه الحفلات، وأذكر من المسيحيين المصريين عفيف سعد وعادل بشاي (عضو مجلس الشورى الآن).

كان الطلبة العرب ألواناً في الفكر والسياسة، فبعضهم كان شيوعيًّا وهم قليلون جدًّا وبعضهم كان بعثيا وبعضهم كان إسلاميا والأغلبية العظمى لا تنتمي من قبل لأي توجهات حزبية أو عقائدية، ولكن العقيدة الباطنية السائدة عند الجميع كانت عربية إسلامية، وتلك الأيام كانت السياسة فيها مصرية ناصرية، أيام الإنجازات الكبرى في مصر، السد العالي، والتحديث الصناعي، والزراعي، والوحدة العربية، وعدم الانحياز، ومساندة الثورة الجزائرية والاستقلال في الشمال الإفريقي.

كانت أعداد المبعوثين المصرين تفوق أعداد غيرهم من البلاد العربية، والسفارة المصرية كانت ترسل كل شهر مجلة للمبعوثين تربطهم بالوطن، ومن الغريب أن هذه المجلة كانت إسلامية التوجه فلقد كان مدير تحريرها هو الأستاذ محمد شديد المسئول السابق عن الإخوان في شبرا.

داخل تنظيم الطلبة العرب كانت كل الألوان موجودة، وكان الاجتماع السنوي والمجلة هما النشاطين الأساسيين لهذه المنظمة، وكانت الانتخابات السنوية معركة فاصلة تخطط لها السفارات طول العام، هل يفوز المصريون أم البعثيون أم القوميون العرب؟ وحتى عام 1968م لم يكن للإسلاميين رغبة في الدخول لهذه المعارك، وكان للمصريين تنظيم غير معلن متصل بالسفارة المصرية في واشنطن.

وأذكر أن الملحق الثقافي المصري اتصل بي في صيف 1964 يعاتبني على معلومة وصلت له عني تزعم أنني أجمع مجموعة من الطلبة العرب ليقفوا في انتخابات المنظمة ضد الطلبة المصريين، وقال إنها معلومات مؤكدة من خلال عيونه، وهنا شعرت بالإهانة فصحت في الهاتف، والله يا دكتور إن عيونك كاذبة، وأنا لم أفكر مطلقا في الذهاب هذا العام للاجتماع السنوي.

في اليوم التالي التقيت بمجموعة من الإخوة المصريين في منزل أحدنا فذكرت لهم ما حدث، وحينئذ بدأت التخمينات تضرب يمينا وشمالا، من يكون هذا العين؟ ولكني لم أشارك معهم، وللأسف واصلوا تخميناتهم وضربوا بها رجلا فاضلا منا فآذوه في مشاعره، والمهم أن الذي حمل كبر هذه الفتنة لم يرجع إلى مصر مطلقا، بينما الذي اتهموه ظلما عاد إلى بلده وقدم فيها خدمات جليلة حتى وافاه الأجل هذا العام، عليه رحمة الله.

الحقيقة أن الاجتماع السنوي للطلبة العرب والتي كانت تموله السفارات المختلفة كان عاملا مساعدًا في التجمع الإسلامي وما انبثق عنه من نشاط إسلامي شامل، أذكر أننا كنا نذهب إلى مثل هذه المؤتمرات لا نكاد نعرف إلا بضعة أسماء من أصدقائنا القدامى، وما إن يحين وقت الصلاة حتى نبدأ بجماعة صغيرة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، ولكن إذا انتهينا من الصلاة وجدت أن مئات قد انتظمت فيها، ومن هنا كان البدء في التعارف والتعرف على العناصر ذات التوجهات الإسلامية من كافة الأقطار العربية، ولم يكن الذين ينتظمون في الصلاة لهم أصول حزبية، وإنما كانوا من السواد العربي المؤمن والمستعد للمزيد من العمل الخيري.

تجمع إسلامي هلامي

وما إن جاء صيف 1964 حتى دعونا إلى اجتماع تأسيسي في جامعة ستانفرد حضره ممثلون من معظم الولايات الأمريكية، وقررنا يومها أن نتكاتف في تجمع إسلامي هلامي مهمته خدمة الدعوة الإسلامية بين الطلبة والمهاجرين في أمريكا الشمالية، سألني يومها أخ من الجزائر: هل هذا التجمع امتداد لأي حركة شرقية عربية أو آسيوية فأكدت له أن هذا التجمع لا علاقة له بأي جماعة أو حزب من الأحزاب في العالم الإسلامي، وإنما هو فقط يبتغي بعث الهمم والحفاظ على الهوية الإسلامية للطلاب المسلمين والمهاجرين المسلمين، ورغم ذلك فإننا لا نطلب من أحد أن يهجر انتماءه لأي جماعة أو حزب في بلاده.

المهم أننا هنا في أمريكا نعمل جميعا لنفس الهدف الواضح ونتفق عليه جميعا، وبدأ العمل ينتظم في أمريكا الشمالية، وبدأنا ننظم لجانا للنشاط: (لجنة للكتاب الإسلامي – لجنة للمجلة – لجنة للعمل مع المسلمين الأفارقة – لجنة للدفاع عن قضايا العرب والمسلمين – لجنة للاتصال بالحركة الإسلامية في أوروبا للاستفادة من تجاربها وتبادل الخبرات – لجنة للمعسكرات التي تضم الأطفال المسلمين الأمريكيين حتى يروا نموذجا للحياة الإسلامية ومعظمها كان في الصيف – لجنة للاهتمام بجمعية الطلبة المسلمين).

كانت معظم هذه الأنشطة قد بدأت قبل 1964، ولكن بعد 1964 بدأت الأمور أكثر تنظيمًا، وكل الجهد يتجه وجهة واحدة.

والأمر الهام جدًّا أن هذا التجمع لم يكن مذهبيا، فكل المذاهب فيه: الشيعي والسني والزيدي والإباضي بجميع تفرعاتهم الداخلية، ولا أدل على ذلك من أننا رشحنا شيعة لرئاسة جمعية الطلبة المسلمين عدة مرات بعضهم إيراني وبعضهم عراقي وبعضهم أفغاني، كما أن هذا التجمع لم يكن عرقيا فكل الأعراق فيه، وكل الأجناس فيه ومن خريجي هذا التجمع الدكتور إبراهيم يازدي أول وزير خارجية في إيران الثورة والدكتور مصطفى شمران وزير الدفاع في إيران الثورة، وهناك أسماء كثيرة ما زالت تقوم بدور في بلادها، والعجيب أن هذا التجمع المبارك كان أداة من أدوات التعاون بين الأقطار التي ينتمي إليها هؤلاء، تعاون ثقافي وأحيانًا تعاون اقتصادي وأحيانًا تعاون سياسي.

كان التجمع الإسلامي تجمعا حول أعمال وليست له هيكلية محددة، فممثلو اللجان المختلفة يجتمعون في العام مرة واحدة، ويختارون من بينهم مسئولا عامًا، وقد كان قدري أنهم اختاروني لهذه المسئولية حتى تركت الولايات المتحدة في أواخر عام 1970.

انتخابات المنظمة 

في صيف 1968 كنت أعمل أيامها أستاذا مساعدًا في جامعة تكساس ذهبت أنا واثنان من أصدقائي للاجتماع السنوي للطلبة العرب، والتقيت هناك باثنين آخرين: د. أحمد صديق عثمان، والدكتور شريف بن الحاج سليمان (الذي أصبح وزيرا للتكنولوجيا في حكومة بن جديد بالجزائر)، وكالعادة أقمنا صلاة العصر في مكان المؤتمر بدأ بهؤلاء الخمسة، وما إن انتهت الصلاة حتى رأيت من خلفي معظم الحاضرين في المؤتمر، حينئذ اقترح أحمد عثمان أن ندخل الانتخابات باثنين هو وشريف، وفعلنا وكانت النتيجة مذهلة، شريف يفوز بأعلى الأصوات وبينه وبين من يليه فارق كبير، وفي هذا العام أصبح شريف رئيسا للمنظمة وأحمد عثمان أمينا للصندوق، ومحررًا مساعدًا لمجلة الطلبة العرب (كان د.علي الدين هلال المحرر).

وقال الناس يومها كلاما كثيرًا، قالوا لقد جاء الإخوان بطيارة وأتوبيسين وبعضهم زادها إلى طائرتين وأربعة أتوبيسات، رجما بالغيب، والحقيقة ما ذكرتها: خمسة رجال لم يخطر ببالهم أن يدخلوا الانتخابات، فلما رأوا هذا الإقبال على الصلاة خطرت لهم هذه الفكرة، وحقق الله لهم هذا النجاح بثمن بخس دراهم معدودات، وهذا الأمر يتكرر كثيرا في بلادنا في النقابات ونوادي أعضاء هيئات التدريس، ويظن الذين في قلوبهم مرض أن هؤلاء عندهم تنظيم دقيق ووراءهم تمويل هائل، والحقيقة أن السواد الأعظم من الناس يجدون فيهم ممثلا لهم.. ممثلا لآمالهم وطموحهم للخروج مما هم فيه.

ولا أدري إن كان التوقيت في عام 1968 كان مساعدا لنا في هذه النتيجة وذلك في أعقاب نكسة 1967، وانصراف كثير من المصريين عن النظام السياسي المصري وخيبة أملهم الكبيرة فيه حتى إن بعضهم تزوج من يهودية وكثير منهم رفض العودة للوطن.

كانت نصيحتي للإخوة في منظمة الطلبة العرب (شريف وأحمد): أنتما تمثلان الطلبة العرب؛ ولذلك يجب أن يكون عملكما فيما استأمنتما عليه من أهداف المنظمة، ولذلك ركزا في عملكما على الوجه العربي الإسلامي (وليس الوجه الإسلامي) للمجلة ولأنشطة المنظمة.

في العام الذي يليه 1969 أغرى النجاح في العام الماضي بعض الإخوة فذهبوا في جماعات كبيرة على المؤتمر في كولومبس أوهايو وفازوا بخمس مقاعد من سبع، فانتبهت لهم الدنيا من حولهم وحاربوهم، كما أنهم حاولوا أن يديروها بمنطق جمعية الطلبة المسلمين، وقد نصحت ما استطعت، ولكنهم تكاثروا عليّ وكان الفشل نصيبا لهذه المجموعة.

وهذا درس في العمل العام: أن يجتمع الناس على الكلمة السواء أي الكلمة الطيبة التي نؤمن بها جميعاً وهو مبدأ إسلامي يقرره القرآن: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..} فالكلمة السواء المتفق عليها بتفصيل هي التي تحمينا من التنازع والتنابذ والفشل.

عميل لـCIA

 شعار سي آي إيه

التحقت بجامعة ستانفرد في يناير 1963 ووفقني الله فأنهيت الرسالة في نهاية صيف 1964، وأتممت الدفاع عنها في يناير 1965، والتحقت بشركة لاكهيد ببالو ألتو في مارس 1965، ولكني قبلها جاءتني دعوة من الجامعة الكاثوليكية بواشنطن لأعمل أستاذاً مساعداً هناك، وذهبت لأعطي محاضرة وأتعرف على الأوضاع هناك، وعند وصولي إلى الفندق جاءتني مكالمة من شخص يرجو لقائي، وقال إنه من إدارة الهجرة.. التقينا في كافيتريا الفندق، وبدأ يحدثني أنه أخذ الهاتف من زوجتي، وعلم سبب زيارتي فجاء يحذرني من التعاقد مع الجامعة؛ لأن إقامتي قد تكون غير شرعية بعد حصولي على الدكتوراه، قلت له: أولاً أنا لم أتخرج بعد، صحيح أنني أنهيت كل مطالب الدكتوراه، ولكن التخرج الرسمي في مايو 1965، وبعدها يحق لي البقاء لمدة 14 شهرا، ثم ما هذا التتبع الدقيق لحركاتي؟ قل لي بصراحة أنت عميل لـCIA؟ أجابني بنعم.. وأنه يريد أن يتفاهم معي بشأن مستقبلي في مصر، قلت له لقد فاجأتني، وأرجوك أن تؤجل الحديث حتى أعود بعد غد لكاليفورنيا.

التقينا في كاليفورنيا، حيث كان ينزل في فندق بضاحية "بالوا ألتو"، حيث كنت أسكن، وفاجأني الرجل بملف كامل عني وعن أسرتي وعن المعتقلين منهم في السجون المصرية، وأنه يرى أن عودتي إلى مصر خير لي ولمصر وأنهم سوف يساعدونني لأتبوأ منصبا هامًّا أستطيع من خلاله أن أناهض الوجود السوفيتي الكافر، والذي تعج به المصانع الحربية والمؤسسات العسكرية، وأنني كإسلامي ينبغي أن أتعاون معهم حتى نخرج مصر من هذا المستنقع، كنت مذهولا من العرض، فليس في حياتي كلها إشارة واحدة إلى إمكانية تعاملي مع أي أجهزة للمخابرات، وخاصة المخابرات الأمريكية والتي كنت قد قرأت عن مصائبها الكثير من كتب كتبوها هم (كنت قد قرأت كتابا لتلي عن دورهم في الثورة المصرية وعن دورهم في إيران وغير ذلك من المقالات) قلت له إنني حزين جدًّا لاختياركم لي لأن طبيعتي تأبى علي أن أعمل مع أي جهاز للاستخبارات، أنا رجل أعمل بالعلم وبالفكر وبالعمل الخيري الدعوي، ولا علاقة لي بالمؤامرات والانقلابات، المهم قال لي سأتركك تفكر ثم أتصل بك.

وحاول الرجل أن يدفع حساب الطعام والمشروبات فأبيت، فقال إنها مدفوعة من المؤسسة، قلت له، ولهذا السبب أرفض أن تدفع وأنا سأدفعها من جيبي من غير أي مؤسسة وتضاحكنا وانصرفنا.

في ديسمبر 1965 ذهبت لحضور مؤتمر علمي في سان دييجو، ولما عدت إلى "منلو بارك"، حيث كنت أسكن وجدت رسالة جاءتني من إدارة الهجرة تطلب مني الرحيل، وصلت الرسالة متأخرة ثلاثة أسابيع، ولم يبق لي إلا أسبوع واحد أحزم أمتعني، بعت البيت واشتريت تذكرة على الخطوط السويسرية إلى مصر على أن أتوقف في جنيف لعلي أستطيع عن طريق بعض الأصدقاء هناك الحصول على عمل في أي مكان، ذلك لأن بعض أصدقائي حذروني من العودة إلى مصر في هذا الوقت، وقبل أن أرحل بيوم واحد اتصل بي رئيس شركة "لاكهيد"، وقال لي إنهم غير مقتنعين بالأسباب التي عرفوها من إدارة الهجرة، وإنهم طلبوا منهم تأجيل هذا الأمر ستة شهور، يمكنني أن أبقى في أمريكا الآن، ويبدو أن الفترة التي بقيت فيها في "لاكهيد" من قبل، وقد أنجزت فيها إنجازًا علميًّا متميزًا جعلني قريبا جدًّا من زملائي ورؤسائي في العمل وكانوا جميعا متعاطفين معي ومن ثم تعاطفت معي رئاسة الشركة، وهي في وقتها كانت من الشركات الضخمة في أمريكا.

ولأن الأمر كان معلقا لمدة ستة أشهر بدأت أتصل بعالمنا العربي البئيس بحثا عن عمل، وأخيرا وفقت في عرض جاءني من كلية البترول والمعادن بالظهران، واطمأن قلبي وبدأت أعد العدة للرحيل، وما إن مضى شهر أو شهران حتى تسلمت رسالة أخرى من نفس الجامعة تلغي العرض الأول، وفي نفس العام زار الملك فيصل أمريكا، وأذاع تصريحًا في واشنطن، لم يعجب الإدارة الأمريكية فاستقبلوه في نيويورك استقبالا سيئا.

وفي ذلك الوقت اتصل بي صديق سعودي، وطلب مني أن أذهب في وفد من المبعوثين العرب تضامنا معه في الفندق الذي نزل فيه، المهم ذهبنا والتقيناه، وانتهز هو الفرصة ليحدثنا عن خلافه مع الرئيس عبد الناصر، وأنه متضامن مع كل القضايا العربية والإسلامية وأن السعودية في خدمة هذه القضايا، هنا التفت الطالب أحمد صديق عثمان ووجه حديثه للملك: أين هذا مما يحدث في بلدكم؟ وحكى له ما حدث لي مع جامعة البترول، وهنا التفت الملك لوزير بتروله الأستاذ أحمد زكي يماني، وقال له: بعد انتهاء اللقاء اذهب مع الدكتور سيد، وأرسل برقية إلى عميد الكلية وقل فيها: يعين الدكتور سيد بأمر الملك.

ولقد كان وذهبت إلى السعودية وبقيت فيها عاما دراسيًّا واحدًا، وكان المعهد يديره كوكبة أمريكية ما رأيت مثلها في حياتي: مدرس ثانوي تاريخ يدرس رياضيات لطلبة كلية الهندسة، العميد الأكاديمي لا علاقة له بالعلم، وإنما هو رجل استخبارات، وكان لي صديق أمريكي في رحلة الدراسة كان قد ترك لي عرضا مفتوحا للعمل معهم في تكساس، ولما اتصلت به قال حاول أن تدخل بفيزا عادية، وأنا سأحاول أن أحصل لك على فيزة هجرة، عدت للولايات المتحدة وبقيت في تكساس عامين، ثم انتقلت لستانفرد أحاول عمل رسالة دكتوراه أخرى في الرياضيات، وبعد عام من ذهابي لستانفرد توفي الرئيس عبد الناصر وتولى السادات، واتصل بي صديقي القديم د. كمال أبو المجد يشجعني على العودة فعدت إلى القاهرة مرورا بالجزائر بضعة شهور، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر