|
لا شك أن القصص القرآني الذي تناثر بين دفتي المصحف الشريف،قد تضمَّن في طياته دروسًا عظيمةً في الإدارة، سواءٌ ما كان منها على لسان إنسان أومنطق حيوان، ويحتاج هذا الجانب منا إلى وقفة، بل وقفات لنستخلص منها دروسًا وعبرًايمكن أن تكون بمثابة نظريات وقوانين مرشدة وملهمة في مجالات الإدارة المختلفة،خاصةً أن تناولها في القرآن يجعلها بمثابة العمل التطبيقي التجريبي الذي يوفر لهارصيدًا قد لا يتوفر لغيرها من التجربة والواقعية والمصداقية.
ومن بين هذه القصص التي أرجو من الله أن يمكنني من تناولها،ويفتح لي أبوابَ الفهم والرحمة والفقه فيها؛ قصة سيدنا سليمان، عليه وعلى نبيناأفضل الصلوات والتسليم، والتي لها ظلال وانعكاسات متعددة الجوانب في مجالاتالإدارة، والتي سوف نبدأ معًا أولى خطواتها مع الهدهد.. فهيا لالتماس الدروس والعبرالإدارية:
الدرس الأول: يقظةقائد
ويتجلى هذا الدرس الأول في أول ما يطالعنا من موقف سليمان عليهالسلام حينما يروي القرآن على لسانه﴿مَا لِي لا أَرَىالْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ﴾(النمل: من الآية 20)، وذلك بعدأن تفقَّد الطير وتفحَّص عمَّن فيه، كما ذكر القرآن﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾(النمل: من الآية 20)، وهذا يدلُّ علىأن القائد لا بد أن يكون يقظًا ومنتبهًا لمن معه، من التفقد والتعرف عليهم وعلىأحوالهم والإحساس بهم والشعور بمن يغيب أو يحضر منهم؛ خاصةً أولئك الذين يلونهمباشرةً.
الدرس الثاني: العقاب المتدرِّج على قدرالخطأ
لا شك أن قضية الثواب والعقاب لها في الإدارة مجال ودوركبير، ويمارسها المديرون بمذاهب شتَّى؛ فمنهم من يرفع سيف العقاب والردع والتخويفعلى طول الخط، ومنهم من يغمده على طول الخط، وحار الناس بين هذا وذاك، ولكننا نرىفي هذه القصة كيف أن سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم قد أخذ بمبدأالعقاب ابتداءً؛ باعتباره حافزًا سلبيًّا، ولكننا نراه قد تضمَّن أعلى درجاتالموضوعية والعدل والحكمة، ويبدو ذلك في الآتي:
1- أنه لم يترك الأمر فوضى، ليفعل كل فرد ما يحلو له دونحساب أو مساءلة وعقاب.
2- أنه لم يبدأ في إعلان العقاب المنتظر إلا بعد أن تأكدفعلاً من غياب الهدهد، وأنه ليس مجرد اختفاء مؤقت عن مستوى رؤيته؛ حيث سأل عن ذلكبوضوح: ﴿مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْالْغَائِبِينَ﴾فلما تبين له أنه فعلاً غائب أعلن عن العقاب المنتظر له فيمثل هذه الأحوال.
3- تراوح العقاب المعلن والمنتظر بين درجات ثلاث: أشدُّهاوأقصاها ذبحه، وأقلها تعذيبه عذابًا شديدًا، ولا ينجيه من أحدهما إلا أن يكون لديهحجة بينة واضحة ويقينية وغير ملفَّقة أو مدبَّرة.
4- ويحمل ذلك في طياته ضرورة ألا يطغى الانفعال على العقلولا الغضب على العدل، فكثيرًا ما نجد أحدنا حينما يتعرض لمثل هذا الموقف يتوعَّدبالويل والثبور وعظائم الأمور فقط، دون مراعاة لما قد تكون عليه ظروف الطرف الآخر،وما قد يكون من أعذار.
5- كما يشير ذلك التدرج إلى ضرورة أن يكون العقاب على قدرالخطأ؛ فإن كان هناك تمرُّد مثلاً فليكن الذبح، وإن كان مجرد غياب وناتج من تكاسلغير مقصود أو سبب غير مقبول فليكن التعذيب الشديد، ولا شك أن ذلك سوف يختلف باختلافدرجة التعمُّد والقصد ومدى تكرار الفعل الموجب للعقاب.
6- أن ما سبق يحتاج ولا بد إلى نوع من التحقيق والمحاكمة،وإعلان الادعاء، وسماع الدفاع، وإعطاء الفرصة كاملة لكليهما وبشكل عادل ومحايد؛للوصول إلى البينة التي توضح حقائق الأمور، وإلا فكيف يمكن التوصل إلى قرار باختيارالعقاب المناسب أو قبول العذر؟! سواءٌ كانت هذه المحاكمة بواسطة القائد نفسه، أو قدتسند إلى فرد آخر مختص، أو لجنة مختصة (لجنة تأديب).
8- أن ذلك يؤكد نقطة أخرى مهمة، وهي ضرورة وجود ما يسمىبلائحة الجزاءات، تمامًا كما يجب أن يكون هناك نظام كامل وواضح للحوافز، وأن هذهاللائحة يجب أن تكون واضحةً ومعلنةً ومفهومةً لدى كل من يعمل في المنظمة.
9- الفصل التام بين الشخص والخطأ، والتزام الموضوعية التامةفي ذلك، والتعامل معه على أنه بريء إلى أن تثبت إدانته، وإعطاؤه فرصة تامة لإبداءحججه والدفاع عن نفسه وتوضيح موقفه.. وهذا ما يظهر من موقف الهدهد حين قال لسليمانعليه السلام بعد أن اقترب منه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾(النمل: من الآية 22)، ولا يمكن أن يجرؤ على مثل هذا القول،ولا يقف مثل هذا الموقف شديد القرب من القائد﴿فَمَكَثَ غَيْرَبَعِيدٍ﴾(النمل: من الآية 22)، إلا إذا كان لا يزال يعامَل معاملة البريء،وينظر إليه من منطلق الفصل بين الشخص والمشكلة التي يمكن أن تنشأ عنه.
ولعل هذه النقطة من أشد نقاط الإدارة والتربية عمومًاحساسيةً وتعرضًا للانتهاك؛ حيث إننا نرى أن الغالب هو أن يخلط الناس بين الأمرين،فإذا أخطأ أحد أخذنا منه موقفًا، وأعلنا أنه كذا.. وكذا.. "إنك مقصر ومخطئ"،والمفروض أن نقول بدلاً من ذلك إن الفعل الذي أتيت به كذا… وكذا…. (هذا الفعلخطأ ولا ينبغي…)، ولعل ما يؤكد أهمية الالتزام بذلك؛ التوجيه الرباني الذي ورد فيالقرآن لإرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَلِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّيبَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)﴾ (الشعراء).. ولم يقل إني بريء منكم، وهذامبدأ من المبادئ العظيمة في الإدارة والتربية والتعامل مع الناس عمومًا، وهو مبدأالفصل بين الشخص والمشكلة أو الخطأ.
الدرس الثالث: فن صياغة التقارير والإلقاءوالعرض
لقد أكد الهدهد أن ما لديه من مبررات يقينية ومؤكدة ولاتحتمل التأليف أو الظن أو التخمين أو الافتراض، ولكنها تقوم على الحقائق المجردة،ولا شك أن لنا وقفة جاء أوانها الآن لنتعلم من الهدهد أحد فنون الإدارة والاتصالات،فيما أصبح يُعرف الآن بفن "صياغة التقارير"، والإلقاء والعرض؛ عسانا أن نجد فيها منالدروس ما ينفعنا.
وبداية فإن التقرير- سواء كان شفهيًّا أو مكتوبًا- ما هو إلاوعاء يحتوي معلومات يقدم إلى مستوى إداري أعلى للمساعدة على اتخاذ قراراته على بينةورشد.
والتقرير الجيد له مواصفات عديدة؛ أهمها أجزاؤه المتماسكةوالمتكاملة والموجزة والكافية، كلماته الواضحة، والمعبرة، والبعد عن الغموض، أوالتخمين، أو الإيجاز المخلّ، أو التطويل المملّ… إلخ.
وأهم أجزاء التقرير: مقدمة مشوقة، وصلب الموضوع، ثم خاتمةوتوصيات في النهاية.. فماذا عن تقرير الهدهد، وأين هو من كل هذه المواصفات؟!! تعالوا ننظر ونتأمل معًا.
1- المقدمة:
لقد تضمن تقرير الهدهد كافة عناصر التقرير الجيد، وأولهاوجود مقدمة مشوقة ومعبرة عن الموضوع الذي سوف يتناوله، وذلك حينما قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍيَقِينٍ﴾ (النمل: من الآية 22)، فالتشويق الكامل يأتي من قوله ﴿أَحَطتُبِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فهي تثير في المستمع كل قوى الاستعداد والتحدي لسماع ماسوف يأتي بعد ذلك؛ ما هذا الشيء الذي يعرفه الهدهد وأحاط به ولا يعرفه سليمان؟!!! رغم إمكاناته والقوى المسخرة لخدمته؟؟
ليس التشويق فحسب؛ بل إن هذه المقدمة رغم إيجازها الشديد قدتضمنت أيضًا صفةً أخرى مهمةً من أهم صفات المقدمة الجيدة، وهي إعطاء المستمع أوالقارئ فكرةً عن طبيعة الموضوع، وذلك حينما قال: ﴿وَجِئْتُكَمِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾فالموضوع يتعلق بسبأ، وما هي سبأ؟ وعليه أنينتظر بلهفة وشوق للاستماع والتعرف، ثم إنه قد أبان عن منهجه في هذا التقرير وهل هوقائم على مجرد التكهن، والتخمين، والسماع أم قائم على التبيُّن واليقين والتحققالعلمي الموثق؟ وذلك حينما قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.. فما الذي يمكن أن ينقص هذه المقدمة بعد ذلك رغم هذا الإيجاز الشديد؟!
2- صلب الموضوع:
ثم أخذ الهدهد في سرد عناصر التقرير التي تمثل صلب الموضوعالأساس، وهو هنا يحاول إعطاء صورة كاملة، وشاملة، وصافية، وغير منقوصة، كما رأىفيما يتعلق بقوم سبأ هؤلاء، ويمكن لنا أن نتبين أن هذا الطلب قد تضمن عناصر عدة؛أهمها:
أ- نظام الحكم.
ب- القدرة الاقتصادية.
ت- النظام الاجتماعي ووضع المرأة فيه.
ث- النظام الحضاري والصناعي ومدى تقدمه.
ج- العقيدة الدينية ومدى رسوخها في نفوسهم.
﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةًتَمْلِكُهُمْ﴾(النمل: من الآية 23) نظام الحكم، ووضع المرأةالاجتماعي.
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾(النمل: من الآية 23) القدرة الاقتصادية.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(النمل: من الآية 23) الوضع الحضاري والصناعي والمهاري.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَايَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (النمل: من الآية 24) الوضع الديني والعقدي.. عبادة الشمس.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُأَعْمَا
|